أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

478

قهوة الإنشاء

يقبل الأرض . . . وينهى أنه آمن ببلاغة هذه الرسالة وصدق الرسول ، وكيف لا وقد جاءه بالكتاب وعليه السكينة والقبول ، وشهد بأنه مثال مثالها الكريم لم يوجد ، وأقر لها طوعا وكيف لا يقر برسالة محمد : [ من الطويل ] وصدّق لمّا أن رأى معجزاتها * وقال بقلب في هواكم موحّد سمّيت أبا بكر فلا تتعجّبوا * إذا كنت صدّيقا لقول محمد ونظر المملوك إلى مولانا وقد استسنّ كلّ سنة حسنة من أنواع بديعه في فصل ذلك الخطاب ، وأرسلها كتابا مبينا مع رسوله الذي هدينا برسالته إلى الصواب . فتحسب المملوك بالرسول وتمسّك بالكتاب وتناوله بعد وضعه على الرأس باليمين ، وقال عند قراءته : « هذا هو السحر الحلال الذي نفث في عقد أقلام المنشئين » ، واستجلى عروس إنشائه وهي مكتبة بتلك السطور ، وتأمل ارتفاع طور مناجاتها في سطور كتابها فعوّذها بالطور وكتاب مسطور ، ودخل إلى بيت شعرها العامر بالمحاسن فعوّذه بالبيت المعمور ، ونسي المملوك سجع المطوّق حين هيجت بلابله سجعات هذا الأدب ، وهمنا حتى كأنّنا حين ملنا عند سماعنا من الطرب : [ من الطويل ] سمعنا حمام الدّوح في روضة غنّى * فاذكرنا ربع الحبايب والمغنى « 1 » وتعبّد المملوك لما دخل إلى جوامع الكلم التي صلت أقلام البلاغة من طرسها الزاهر في أجلّ محراب ، وشكرت الباري وسجدت شكرا لما تحققت أن مولانا إمام الإنشاء والكتاب ، وطلب أن يتطفّل على خطّابها فخرست ألسن أقلامه ، وانتثر عقد نظامه ، وقالت له الطروس : « لا تطل فما عوارض سطورك هي العوارض التي تدور على هذه الخدود ، ولا تطمع بورود هذا المنهل فما على منثور كلامك الصادر « 2 » رونق الورود ، وبما ذا تخاطب « 3 » من لو عاصره قاضي الأدب لكان له من جملة الشهود ؟ » وأنشد وقد تقلد ألفاظه مننا في عنقه حيث تحقق أنها عقود : [ من مجزوء الرمل ] يا ملوك الفضل إنّ ألح * قّ حق مستبين أنا سلطان المعاني * والخليفة الأمين « 4 »

--> ( 1 ) الحبائب والمغنى : قا : الحبيب مع المغنى . ( 2 ) الصادر : تو ، قا ، ها : الصادق . ( 3 ) وبما ذا تخاطب : ق : وبما ذا يخاطب ؛ ها : وبهذا تخاطب . ( 4 ) عجز البيت مضطرب .